
يُصادف 10 أكتوبر من كل عام اليوم العالمي للعصيد، أحد أشهر الأطباق الشعبية المتجذرة في الموروث اليمني، والذي ارتبط عبر الأجيال بالهوية الثقافية والعادات الغذائية للمجتمع. ويُعد العصيد نموذجًا للأكلات التقليدية التي تعتمد على مكونات بسيطة ومتوفرة محليًا، فيما تختلف طرق إعداده وتقديمه من منطقة إلى أخرى، بما يعكس التنوع الثقافي والبيئي الذي يزخر به اليمن.
شهادات تاريخية على أصالة العصيد اليمني
يحظى العصيد باهتمام الباحثين والمؤرخين الذين وثّقوا مكانته باعتباره أحد أبرز عناصر التراث الغذائي اليمني. وفي هذا السياق، سلطت دراسات أكاديمية الضوء على تاريخ هذا الطبق الشعبي وطرق إعداده ودلالاته الثقافية عبر مراحل مختلفة من التاريخ اليمني.
وتشير دراسة بعنوان «الغذاء في اليمن خلال الفترة (1847-1967) والتأثيرات الوافدة عليه.. دراسة تاريخية حضارية» للدكتورة أمل الحميري، الأستاذ المشارك في قسم التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة صنعاء، إلى أن العصيد يُعد من أشهر المأكولات اليمنية في الريف والحضر على حد سواء. ويُحضَّر من دقيق الذرة بمختلف أنواعه أو من القمح، وذلك عبر إضافة الطحين تدريجيًا إلى الماء المغلي مع التحريك المستمر باستخدام أداة خشبية تقليدية تُعرف باسم «المحواش»، حتى تتكون كتلة متجانسة القوام. وبعد اكتمال نضجه، يُنقل العصيد إلى وعاء خاص مصنوع من الفخار أو الحجر يُعرف بـ«المقلى» أو «الحرضة»، ويُشكَّل في وسطه تجويف دائري يُسكب فيه المرق، إلى جانب خليط من الحامضة والطماطم والبسباس والكزبرة والنعناع والثوم والكمون والملح، وهو مزيج يُعرف باللهجة اليمنية باسم «الزحاوق». كما تُعرف العصيد في بعض المناطق باسم «الشتيح»، وتُقدَّم بوصفها من الأطباق الشعبية المحببة.
كما تشير دراسة حول الأطعمة الشعبية اليمنية نُشرت في مجلة الثقافة الشعبية إلى أن حضور العصيد لا يقتصر على كونه طبقًا شعبيًا متوارثًا، بل يمثل جزءًا من منظومة ثقافية واجتماعية متكاملة تعكس هوية المجتمع اليمني وعلاقته ببيئته وعاداته وتقاليده. وتؤكد الدراسة أن الأطعمة التقليدية لا تمثل مجرد وسيلة للغذاء، بل تحمل في تفاصيل إعدادها وتقديمها وأدواتها المرتبطة بها دلالات ثقافية متجذرة تنتقل من جيل إلى آخر. ويبرز العصيد بوصفه أحد أهم هذه الأطباق التي حافظت على حضورها في الريف والحضر وفي المناسبات الاجتماعية والحياة اليومية، ليبقى شاهدًا على ثراء المطبخ اليمني وتنوعه.
العصيد.. حضور يتجاوز الزمان والمكان
لا تقتصر خصوصية العصيد على طريقة إعداده فحسب، بل تمتد إلى ما يرافقه من إضافات ونكهات تعكس التنوع الثقافي بين المناطق اليمنية. فبحسب العادات المحلية، يُقدَّم العصيد إلى جانب المرق أو السمن البلدي أو الزوم، فيما تفضّل بعض المناطق تناوله مع العسل.
وعلى الرغم من بساطة مكوناته، فإن العصيد لا يُحضَّر بالطريقة ذاتها في مختلف المناطق اليمنية، بل تتنوع وصفاته وفقًا لاختلاف البيئات والمحاصيل الزراعية والعادات الغذائية المحلية. ففي حين تعتمد بعض المناطق على دقيق الذرة، تفضّل مناطق أخرى القمح أو خلط أنواع مختلفة من الحبوب، كما تتباين الإضافات المصاحبة له وطرق تقديمه من محافظة إلى أخرى. كذلك ارتبط تحضيره في البيئات الريفية والجبلية بأدوات تقليدية توارثتها الأجيال، من أبرزها «المربشة» و«المحواش» اللتان تُستخدمان لتحريك الخليط باستمرار حتى يتجانس ويكتسب قوامه المميز.
الفوائد الصحية والغذائية لطبقَ العصيد
لا تقتصر أهمية العصيد على مكانته في المائدة اليمنية؛ فمكوناته تحمل قيمة غذائية أيضًا،وهنا توضح الخبيرة منى الأغبري في المقطع الصوتي التالي بعض الفوائد الصحية للعصيد اليمني وتنوع مكوناته من محافظة لأخرى، وما توفره مكوناتهما التقليدية من عناصر غذائية تعكس جانباً آخر من ثراء المطبخ اليمني.
وفي اليوم العالمي للعصيد، لا يُنظر إلى هذا الطبق بوصفه وجبة شعبية فحسب، بل باعتباره جزءًا من الهوية الثقافية والتراث الغذائي اليمني الذي حافظ على حضوره عبر الأجيال. وبين تنوع وصفاته واختلاف طرق إعداده من منطقة إلى أخرى، يظل العصيد شاهدًا على ثراء المطبخ اليمني وقدرة المجتمع على صون عاداته الغذائية وتوارثها، ليبقى واحدًا من أبرز الأطباق المرتبطة بالذاكرة الشعبية والحياة اليومية لليمنيين.
