إسهامات قلعة صيرة في الحفاظ على المدن الجنوبية اليمنية أمام القوى الاستعمارية الخارجية البرتقالية والبريطانية

بقلم: د/ عوض عبدالرب الشعبي…قسم الأثار والسياحة.. كلية الآداب

عُرفت عدن لموقعها الطبيعي بأهميتها التجارية والعسكرية والحضارية عبر الزمان، إذ عدت عدن منذ القدم على أنها مدينة وميناء تجاري وسوق قديم من أسواق اليمن والعرب، وتكمن أهمية عدن في نسج العلاقات التجارية التي ربطت عدن بالعالم الخارجي منذ القدم، كعلاقتها مع موانئ الساحل الشرقي الإِفريقي، وعلاقتها التجارية مع اليونان والرومان ومصر وساحل البحر المتوسط، وعلاقتها مع الهند والسند وبلاد فارس، وقد خلدت تلك العلاقات كتاب العهد القديم والنقوش والمصادر الكلاسيكية.

إذ يعد ميناء عدن من الموانئ اليمنية القديمة الذي احتفظ بأهميته التجارية منذ القدم، إذ كان نشاطه التجاري يتراوح بين المد والجزر على مر العصور التاريخية بسبب ما تعرض له من أطماع محلية بالإضافة إلى الاطماع الخارجية، وجاء أقدم ذكر لعدن في كتاب التوراة( العهد القديم )في القرن السادس ق.م، بوصفه ميناء ومركزاً تجارياً تنطلق منه التجارات، كما وردت الإشارة لعدن أيضا في المصادر الكلاسيكية ( اليونانية والرومانية )، وذكرها صاحب كتاب الطواف حول البحر الارتيري الذي يعد أهم مصدراً زودنا بالمعلومات الملاحية عن ميناء عدن يعده مركزاً قديماً لتبادل السلع الافريقية والهندية والمصرية وسلع بلاد العرب، كما ورد ذكر عدن أيضا  في النقوش اليمنية القديمة ( المسند ).

الحملة البرتقالية على عدن بقيادة الفونسو دي البوكيرك

أما بالنسبة لحديثنا عن اسهامات وأهمية قلعة صيرة في الدفاع عن مدينة عدن من هجمات البرتقاليين فيها تتلخص في سير الحملة من جواء بقيادة البوكيرك حتى وصولها ساحل صيرة في 26 مارس 1513م، عند وصول القوات البرتقالية إلى الساحل كان عندهم فكرة مغلوطة أن عدن مدينة ضعيفة التحصين سهلة المنال ومن السهل اقتحامها والسيطرة عليها، إذ يبدو أنهم كانوا لديهم رؤية مسبقة بانهم سوف يدخلون المدينة من جهة اليسار ومن باب معين، يبدو أن هذه الرؤية التي بنوا عليها هجومهم العسكري كانت معلومات استخباراتية اعدت مسبقاً للهجوم، حتى يتمكنوا من اقتحام السور عبر هذه البوابة والسيطرة على المدينة.

نتيجة لذلك الحماس والشعور بالقوة من قبل البرتقاليين فقد نزلوا بكامل عتادهم وعدتهم مستهينين بما تحمل عدن من مكانة كبيرة في نفوس سكانها، وقد كان من حسن المدينة أن مياه الميناء نازلة ولم يتمكنوا من ركوب قواربهم مما اضطرهم إلى المشي على الاقدام وهم حاملين أسلحتهم وامتعتهم الحربية مما أدى أن البارود قد تبلل بمياه البحر، عندها وصلوا إلى أسوار المدينة وكانت الصدمة الأولى لهم أن المدينة محاطة بسور عالي جداً مما اضطرهم إلى استخدام السلالم الخشبية من أجل الوصول إلى اعلى السور، ونتيجة لاندفاعهم المفرط على اقتحام المدينة والتزاحم بين الجنود وحملهم السلاح فقد شكل ضغط كبير على السلالم مما أدى تكسر هذه السلالم وفقدهم الوصول إلى هدفهم، كما أن اصلاح وتربيط السلالم مرة أخرى قد أخذ وقت ولكن في الأخير تمكن بعض الجنود البرتقاليين من الوصول إلى اعلى السور وتناوشوا مع القوات اليمنية المدافعة عن المدينة مما أدى إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى من الطرفين، ومن جزئية بسيطة من اقصى الشمال تمكن البرتقاليين من الوصول إلى أطراف المدينة والتحموا بشكل مباشر مع سكان عدن مما اضطرت هذه الجماعات إلى الانسحاب إلى السور بسبب ذلك الاستبسال الذي وجوده من قبل المقاومة اليمنية، هذه الجماعات التي انسحبت انصدمت بالسور ومن علوه المرتفعة ولعدم امتلاكهم سلالم للنزول اضطروا على القفز من فوق السور هذا سبب ان البعض تكسرت ارجلهم حسب أشار مذكرات البوكيرك.

 اثناء ذلك رأى البوكيرك أن الهجوم قد باء بالفشل، فسعى جاهداً إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فأمر جنوده بالانسحاب، ولكن كان القائد مرجان الظاهري قد أمر الجنود اليمنيين المتحصنين في قلعة صيرة من إطلاق نيران تلك المدافع على سفن البرتقاليين، مما أدى إلى مقتل بعض الجنود البرتقاليين وجرح عدد كثير منهم، ولم يكن البوكيرك حينها قادرا على مقاومة تلك المدافع ولم يكن لديهم سلالم لارتقاء الأسوار ثانية، بالإضافة إلى ارتفاع درجة حرارة الجو، وارهاق الجنود، أمام تلك الأسباب أمر البوكيرك رجاله بالتوجه إلى السفن.

في صباح اليوم الثاني أمر البوكيرك أبن أخته جارسيا بالاستيلاء على قلعة صيرة ليتم تغطية خروجهم من الميناء، ووصل جارسيا إلى قاعدة القلعة مع كل القوات المصاحبة له، وشن هجوماً أدى إلى الاستيلاء على صيرة وما بها من المدافع الكبيرة والصغيرة وقتل كل الجنود اليمنيين المتحصنين في القلعة، وتمركز هذا القادة في صيرة وتم تغطية عملية الصعود إلى السفن وذلك من خلال قصف للمدينة التي دمر كثير من منازلها. بالإضافة إلى سلب كل البضائع والمؤن الموجودة في السفن الراسية في ميناء عدن، بعد ذلك أمر بإشعال النيران ففيها، وتمكنت السفن البرتقالية من مغادره ميناء عدن متجهة صوب البحر الأحمر مجرين اذيال الهزيمة.

الحملة البريطانية على عدن بقيادة الكابتن هينز

لقد شعرت بريطانيا بالتوجس من نفوذ محمد علي باشا المتسارع في البحر الأحمر من الوصول إلى عدن والتحكم في سير الملاحة البحرية فيه. مما دفعها بالتوجه إلى عدن والسيطرة عليها، وقد استغلت حادثة السفينة الهندية التي كانت تحمل علمها والتي جنحت في عدن ونهبت عام 1837م، وفي مطلع عام 1838م، عاد هنيز للتفاوض والاتفاق مع سلطان العبدلي على تسليم عدن دون مقاومة، عندما رفض سلطان العبدلي على تسليم المدينة قررت الوزارة البريطانية في أن تتخذ حكومة الهند كافة الإجراءات العسكرية للاستيلاء عنوة على عدن، وبالفعل وصلت قطع الاسطول في 16يناير 1839م وطلب منها هينز قصف عدن بالمدافع المتطورة وبعد ساعتين من القصف المتواصل تهدم الحصن والاسوار بما فيها حماية قلعة صيرة وفر المدافعون وخلت المدينة من معظم سكانها ويعود السبب في ذلك إلى عدم تكافؤ القوتين وبهذا تمكن الانجليز من السيطرة على عدن.  

وصف مشاعري تجاه قلعة صيرة

منذ أن وطأة قدامي جبل صيرة شعرت بحالة من الفخر والاعتزاز أمام عظمة الانسان اليمني القديم الذي قام بأنشاء مثل هذه القلاع الدفاعية والتي تم بناها بطريقة هندسية بديعة.  

Scroll to Top