تراث يؤكل

نورا الظفيري

تصوير/ آلاء إبراهيم

في أزقة صنعاء القديمة لا تحتاج إلى لافتة لتدلك على المطبخ اليمني؛ فالرائحة وحدها تكفي، من قدر “البرعي” الذي يتصاعد منه البخار في زوايا البيوت والأسواق، إلى أقراص “الزُّلبية” الذهبية وهي تُعد أمام الزبائن، تتجسد حكايات تراثٍ غذائي حافظ على حضوره رغم تعاقب الأزمنة. هنا، لا تُقدَّم الأطباق الشعبية بوصفها وجبات يومية فحسب، بل باعتبارها ذاكرةً حيةً تتناقلها الأجيال، وعنوانًا لهوية يمنية تشكلت من بساطة المكونات وثراء النكهة وارتباط الإنسان بأرضه وموروثه.

وعلى خلاف ما يعتقده كثيرون، يزخر المطبخ اليمني على امتداد أرضة بعشرات الأطباق الشعبية النباتية التي اعتمدت منذ القدم على الحبوب والبقول والخضروات المحلية، فشكّلت جزءًا أصيلًا من النظام الغذائي لليمنيين قبل أن يصبح الطعام النباتي توجهًا عالميًا. ولا تزال هذه الأكلات حاضرة في البيوت والأسواق الشعبية، شاهدةً على قدرة الموروث الغذائي اليمني على الصمود، وعلى احتفاظه بأصالته رغم تغير أنماط الحياة.

في هذا التقرير، نصحبكم في جولة بين أزقة صنعاء القديمة وأسواقها إلى محافظة عدن وبحرها، حيث لا تزال الأطباق الشعبية النباتية تُعد بالطريقة ذاتها التي عرفها الآباء والأجداد نقترب من قصصها، ونكتشف مكوناتها، ونرصد علاقتها بالهوية الثقافية، لنكشف كيف تحولت هذه الوصفات البسيطة إلى إرثٍ غذائي يعكس تنوع التراث اليمني وثراءه.

طبق البرعي

تشير دراسة “الغذاء في اليمن خلال الفترة (1847–1967) والتأثيرات الوافدة عليه – دراسة تاريخية حضارية”، للدكتورة أمل الحميري، الأستاذ المشارك في قسم التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة صنعاء، إلى أن البرعي، بكسر الباء وسكون الراء، يُعد من الأطباق الشعبية المرتبطة بالمطبخ الصنعاني، ومع مرور الوقت انتشر في الأسواق الشعبية بالمحافظات الأخرى. وهو وجبة يمنية تنتمي إلى عائلة البقوليات والبازلاء، تُنقع ثم تُسلق وتُطبخ مع إضافة التوابل الحادقة والحَطْم الذي يكسبها اللون الداكن. وقد يكون البرعي من الحبوب التي كانت تُباع في سوق اللساسين (اللسيس) باللهجة العامية، حيث ذُكرت في المراجع التاريخية المبكرة وحُققت في كتاب الحصاد المبكر باعتبارها من الدُّجر والحبوب المغلية بالماء الساخن. وتشتهر هذه الوجبة في صنعاء، تحديدًا في سوق الملح، وتؤكل إما بالملعقة أو مع خبز الكُدم، ولها قدرة على الإشباع، وفق ما ذكره عدد من الباعة، لاحتوائها على مصادر مختلفة للطاقة وانخفاض تكلفتها، فضلًا عن ارتباطها بالأسواق الشعبية بوصفها طبقًا شعبيًا شهيرًا.

البطاط بالحُمُر.. إرث غذائي من المطبخ العدني

توضح الحميري في دراستها أن بطاط بالحمر طبق عدني شعبي ينتشر بكثرة في الأسواق الشعبية، ويتكون من قطع البطاطا المقطعة والتمر الهندي المنقوع، المعروف (بـالحومر)، وتوابل البسباس العدني وغيرها. وتتصف معظم الأطباق العدنية بدخول أكثر من مؤثر خارجي عليها، نظرًا إلى موقع عدن التجاري والبحري بوصفها مدينة ساحلية تستقبل ثقافات متنوعة، فتتأثر وتؤثر في شتى مجالات الحياة. وكان للأطباق الشعبية نصيب من هذا التفاعل، إذ دخلت إليها العديد من التوابل والإضافات الهندية والآسيوية.

الفوائد الصحية لطبقَي البرعي والبطاط بالحمر

ولا تقتصر قيمة الأطباق الشعبية على ما تحمله من ذاكرة ونكهات متوارثة، بل تمتد أيضاً إلى مكوناتها وقيمتها الغذائية. وتوضح الخبيرة منى الأغبري في المقطع الصوتي التالي بعض الفوائد الصحية لطبقي البرعي والبطاط بالحُمُر، وما توفره مكوناتهما التقليدية من عناصر غذائية تعكس جانباً آخر من ثراء المطبخ اليمني.

Scroll to Top