أ.أروى أحمد الخطابي
إعادة نشر (مجلة الأكليل العددان (٢٩-٣٠) يناير-مارس ٢٠٠٦م.)
المقدمة:
عندما اخترت موضوع البن ليكون موضوع بحثي، لم أكن أعرف عنه سوى أنه مشروب يتناوله اليمنيون في الصباح، وتجود زراعة أشجاره في المرتفعات الغربية، كما كنت أعرف أيضاً أن هذا المشروب مشهور في جميع أنحاء العالم ولكن لم أكن أعرف شيئاً عن تاريخية.
وعندما بدأت البحث كنت أخشى أن ألا أجد المصادر التي تمكنني من عمل البحث. وبعد شهور من البحث عن المصادر، توفر لدى عدد لا بأس به من المصادر ولمجرد توفر المصادر، شرعت في عمل البحث.
ومن أجل إعداد هذا البحث قمت بتقسيم الموضوع إلى عدة نقاط، بدلاً من الفصول، والأبواب، وذلك حتى يسهل العمل في البحث.
ومن خلال هذه النقاط حاولت الإحاطة بجوانب الموضوع المختلفة، ويمكن إيجاز هذه النقاط في الآتي:
- التمهيد، ويشمل التعريف بشجرة البن، واسمها، وطريقة استعمالها.
- الموطن الأصلي لشجرة البن، وفي هذه النقطة حاولت تحديد الموطن الأصلي لشجرة البن، ومتى تم نقلها إلى اليمن، ومن قام بنقلها.
- الظروف اللازمة لنمو شجرة البن وقد قسمت هذه الظروف إلى ظروف طبيعية وظروف بشرية.
- أصناف البن اليمني. ومن خلال هذه النقطة تم ذكر الأصناف المختلفة للبن اليمني والمناطق التي يجود فيها كل صنف من أصناف البن.
- انتشار البن اليمني في العالم، وقد أوضحت من خلال هذه النقطة كيف انتشر البن اليمني إلى أقطار العالم المختلفة.
- أهم الموانئ اليمنية التي يصدر منها البن وقد بينت من خلال هذه النقطة الموانئ اليمنية التي اشتهرت بتصدير البن، وهي اللحية، والمخا، والحديدة، وجيزان.
- أهم المناطق الداخلية التي لعبت دوراً في تجارة البن. ومن خلال هذه النقطة أشرت إلى المناطق الداخلية التي كانت تمثل السوق المحلية التي يجتمع فيها البن، والتي كانت تمثل الوسيط بين المزارع الذي ينقل محصوله إليها، وبين التاجر الذي يأخذ سلعته منها، وهذه المناطق هي بيت الفقيه، ومنطقة الحدية، ومنطقة علوجة.
- أهم الموانئ الخارجية التي تستقبل البن اليمني، وقد أوضحت من خلال هذه النقطة الموانئ التي تستقبل البن اليمني ثم تقوم بإعادة تصديره، وهي ميناء جدة، وميناء مسقط، وميناء البصرة، وميناء بندر عباس في جهة فارس، وميناء سورات في الهند.
- الشركات الأوروبية التي عملت في تجارة البن، وتعد هذه النقطة من النقاط الجوهرية في البحث، وذلك لأنني تعرضت من خلالها للدور الذي لعبة الأوروبيون في تجارة البن، ومن ثم التنافس الذي وقع بينهم من أجل احتكار تجارته.
- الدور الذي لعبه التجار العرب في تجارة البن، وقد أشرت في هذه النقطة إلى دور المصريين والعثمانيين في تجارة البن.
- اهتمام محمد علي باشا والي مصر بالبن، وقد حاولت أن أوضح سبب هذا الاهتمام.
- انتقال زراعة البن إلى مناطق أخرى من العالم، وأثر ذلك في تدهور زراعة البن اليمني.
- العلاقة بين شجرة البن وشجرة القات وتأثيرهما على الاقتصاد الوطني.
وأخيراً، فإن أهمية هذا البحث تكمن في أنه يتعرض لصفحة من أنصع صفحات تاريخ تجارة البن اليمني.
تمهيد:
البن شجرة متوسطة الارتفاع تقريباً، ومعظم الأصناف اليمنية لا يتعدى طولها ٤.٥-٦م وبمتوسط٣م، وللشجرة جذور عميقة تصل إلى ٣م، وأوراقها ناعمة دائمة الخضرة، ولها أزهار بيضاء ذات رائحة عطرة، ومن هذه الرائحة اشتقت كلمة بن.
ففي كتاب لسان العرب لابن منظور، وجدت كلمة بن بمعنى ( الريح الطيبة) كرائحة التفاح، وجمعها بنان- وتقول أجد بهذا الثوب بنة طيبة من عرف تفاح أو سفرجل- وقال سيبوية. جعلوه اسماً للرائحة الطيبة، وقد ذكر داود الإنطاكي البن في كتابة الطبي تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب، عندما قال:” بن-ثمر شجر باليمن، يغرس حبة في آذار، وينمو ويقطف في آب”.
وتنتج أشجار البن ثماراً” ألوانها أحمر أو أصفر عند اكتمال النضج، والمادة اللبية بالثمار حلوة المذاق، وسميكة، ويمكن إزالتها بسهولة من القشر الخارجي”.
وعندما تجف الثمار يتحول لونها إلى البني الداكن، وعندما يصبح ممكنا القيام بعملية التقشير، حيث تنقسم الثمار إلى قسمين، القسم الخارجي ويسمى القشر، ويستخدم كشراب خفيف عند أهل اليمن.
واللب الداخلي، ويسمى الصافي، وهو جزء الذي يحمص ويطحن ويسمى طحين البن، وشرابه القهوة.
والقهوة اسم أطلق قديماً على الخمر، وقد جاء في لسان العرب، لابن منظور” والقهوة: الخمر، وسميت بذلك لأنها تقهي شاربها عن الطعام، أي تذهب شهوته.
والقهوة اليوم أو في الوقت الحاضر، اسم يطلق على شراب البن المغلي، وقد ذكرها داود الإنطاكي في كتابة تذكرة أولي الألباب، في معرض حديثة عن استخدامات القهوة في الاستطباب، حيثُ قال:” وبالجملة فقد جرب لتجفيف الرطوبات والسعال البلغمي والنزلات وفتح السدد وإدرار البول. وشاع الآن اسمه بالقهوة إذا حمص وطبخ بالغا وهو يسكن غليان الدم، وينفع من الجدري والحصبة والشرى الدموي”.
أصل شجرة البن (الموطن الأصلي لشجرة البن):
اختلف الباحثون في تحديد الموطن الأصلي للبن؛ فبعضهم يرى أن اليمن هي الموطن الأصلي للبن، ويستند هؤلاء إلى نتائج ما توصلت إليه بعثة استطلاعية تابعة لمنظمة الغذاء والزراعة الدولية أثناء دراستها لأشجار البن في الحبشة عام ١٩٦٤م. حيث لم تتمكن من الحصول على أدلة أكيدة تثبت أصالة البن في الحبشة بسبب التلف الذي أصاب معظم الغابات الحبشية، وكون أشجار البن متكيفة تماماً للظروف البيئية السائدة في اليمن.
بينما يميل معظم الباحثين، إلى تأكيد أن الموطن الأصلي للبن هو أثيوبيا(الحبشة) حيث كان ” ينمو بريا في إقليم كافا بجنوب غرب أثيوبيا، ثم نقلت بذوره الأولى إلى مرتفعات جنوب غرب الجزيرة العربية”.
وأنا شخصياً أميل إلى تأييد الرأي الثاني، باعتبار أن البن لم يذكر في اليمن إلا منذ القرن التاسع الهجري، الخامس عشر الميلادي.
وكما اختلف الباحثون في تحديد الموطن الأصلي للبن، اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ دخول البن إلى اليمن، كما اختلف المؤرخون أيضاً في تحديد الشخصية التي أدخلت البن إلى اليمن.
وتوجد ثلاث شخصيات يتركز حولها الرأي، في أنها ربما تكون هي التي أدخلت شجرة البن إلى اليمن، وهذه الشخصيات الثلاث، هم شيوخ الصوفية في اليمن وهم (الفقيه الصوفي علي بن عمر الشاذلي: ت.٨٢١هجري/١٤١٨ميلادي، والفقيه الصوفي محمد بن سعيد الذبحاني: ت٨٧٥هجري/١٤٧٠ميلادي، والفقيه الصوفي أبوبكر عبدالله العيدروس: ت٩١٤هجري /١٥٠٨ميلادي.
ويعد الشيخ الصوفي علي بن عمر الشاذلي من أبرز من يدور حولهم الرأي، في إدخال شجرة البن إلى اليمن، فقد ذكر العلامة عبدالرحمن بن محمد العيدروس المتوفي ١١١٢هجري. في كتابه إيناس الصفوة ” كان أول حدوثه -أي مشروب القهوةـ أول القرن التاسع وأواخر القرن الثامن باليمن المبارك ومنشئه الشيخ الإمام الحجة الهمام صاحب المناقب الفاخرة علي الشاذلي بن عمر الشهير بدعسين صاحب المخا”.
أما بالنسبة للمؤرخين المتأخرين فقد أرخوا القرن العاشر الهجري، السادس عشر الميلادي لدخول شجرة البن، فقد ذكر المؤرخ اليمني عبدالواسع يحيى الواسعي، في كتابه فرجة الهموم والحزن في حوادث وتاريخ اليمن، وفي معرض حديثه عن أحداث سنه ٩١٤هجري. حيثُ قال:” وفي سنه ٩١٤هجري، ظهرت شجرة البن في اليمن وهي شجرة مباركة استعملها الناس للشرب في اليمن ثم اشتهرت في جميع الأقطار”.
أما المؤرخ اليمني أحمد حسين شرف الدين فقد ذكر أن البن اكتشف في اليمن عام ٩٥٠هجري/ ١٥٤٠ميلادي.
ومهما يكن الأمر فإن معظم الروايات التاريخية تؤكد أن دخول شجرة البن إلى اليمن كان خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين، والخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، عن طريق شيوخ الصوفية في اليمن، ولعل من أهم الأسباب التي دعت شيوخ الصوفية إلى إدخال هذه الشجرة إلى اليمن، هو اكتشافهم أن شرابها يعينهم على السهر والذكر، وقد أدى اكتشاف شراب القهوة، وانتشار هذا الشراب بين الناس إلى حدوث جدل كبير بين الفقهاء حول تحريم وتحليل شراب القهوة.
وكان من ضمن من أفتى بتحليل القهوة العلامة عبدالله بن عمر بامخرمة المتوفي سنة ٩٧٢ هجري، عندما كتب (رسالة في حل شراب القهوة)، عموماً انتهى الجدل بين الفقهاء بإثبات حل شراب القهوة، نظراً لعدم ثبوت ما يخل بالقوى العقلية عند فقهاء الدين عموماً.
أدى تحليل شراب القهوة إلى سرعه انتشار شجرة البن، والاهتمام بزراعتها ولم يمر وقت طويل حتى ذاع صيتها خارج اليمن، وأصبحت سلعه تجارية تهتم بها الدول الأجنبية وتسير سفنها إلى اليمن من أجل الحصول على البن.
