مقال د/ عوض عبدالرب الشعبي
على بساط آسر من الشغف نأخذ القارئ في هذا المقال إلى رحلة ممتعة مع شجرة البن اليافعي، تلك الشجرة الخالدة التي ارتبط تاريخها بتاريخ الأسلاف الذين سكنوا قمم الجبال وبطون الأودية في يافع (سرو حمير)، رحلة ستنقلك إلى بساتين أشجار البن المتناثرة في حواضن ومنحدرات جباله وأوديته الخصيبة، وتثير ذوقك بنكهات حسية وتقاليد وجدانية عريقة ارتبطت بشكل مباشر بشجرة البن.
تلك الشجرة اليانعة التي اكتسحت الوديان والهضاب بحلتها الخضراء وتمددت في منعطفات الجبال كأنها سوار في معصمه، شجرة فيها من البهاء والجمال ما جعلها تنسجم وتتناغم مع ظروف الطبيعة الجغرافية الجبلية اليافعية، تلك الطبيعة التي زاد جمالها وازين مع وجودها، حيث كان لمناخ وتضاريس يافع الأثر الأكبر في جودة بنها (القهوة) عن بقية المناطق اليمنية، فتجد تلك الرياح التي تهب عليها تلاطف وتراقص أوراقها وفروعها بكل حنيه، فتتمايل تارة شمالاً وأخرى يميناً محاكيه ومنسجمة مع تلك الايقاعات التي تعزفها أوتار الجبال كأنها نوتة سيمفونية بديعة نسجتها أيدي القدر من وحي الزمان الخالد.
إنها شجرة ليست كأي شجرة في (سرو حمير)، إنها موروث ثقافي واقتصادي، وتاريخ وهوية، وعلامة زراعية متجذرة في عمق الطبيعة اليافعية منذ القدم، أنها الساحرة الفاتنة المتبدلة الوشاح على مدى فصول السنة، ففي فصل الصيف ترتدي وشاحها الأخضر الذي تعطره قطرات الندى الفجرية المنسابة على أوراقها مع كل صباح حتى يخيل أنك أمام تحفة بديعة صاغها الرحمن من أحلى التحف، وفي فصل الربيع تجد أغصانها ترتدي الوشاح الناصع البياض كأنها عروس ليلة زفافها تأسر الألباب، وفي فصل الشتاء تكون في اوج فتنتها وجمال نضوجها، إذ تبدو أغصانها المثقلة كأنها جواهر من الياقوت الأحمر والأصفر قد اينعت وحان قطافها، وما هي الا لحظات حتى تنال يد الفلاح عفتها فتصبح أغصانها سليبة وحيدة حزينة على فقدان جواهرها المتلألئة في عنفوان برد الشتاء.
